سوريا

جراح خفية: التعذيب في سوريا وتبعاته القانونية والاجتماعية والاقتصادية

9/03/2021

مقدمة

على غرار العديد من البلدان التي تحكمها أنظمة شمولية، تمت ممارسة التعذيب في سوريا بشكل ممنهج في المقرات التابعة للأمن في جميع أنحاء البلاد خلال العقود الستة الماضية، مما أدى إلى مقتل مئات الآلاف من الرجال والنساء وأعداد مماثلة من الأشخاص الذين نجوا بإعاقات جسدية ونفسية. فقد كان التعذيب الأداة الرئيسية لترويع السوريين وتكميم أفواه الذين يظهرون أقل علامة من علامات عدم الرضا عن الوضع الراهن. 

يمكن القول أن الأسباب المتراكمة أدت إلى اندلاع الحراك الشعبي في سوريا في ربيع عام 2011، إلا أن نقطة التحول كانت احتجاز وتعذيب أطفال المدارس في درعا، وهي مدينة في جنوب سوريا، مما أدى إلى اندلاع المظاهرات والاحتجاجات في المدينة. وأثارت انتهاكات حقوق الإنسان ضد الأطفال مظاهرات مماثلة في جميع أنحاء البلاد. لسوء الحظ، ما بدأ بمظاهرات سلمية أصبح اشتباكات مسلحة بحلول سبتمبر/أيلول 2011 تصاعدت إلى نزاع مسلح وحرب أهلية في يوليو/تموز 2012. وقد أسفرت هذه الحرب عن ملايين اللاجئين ومئات الآلاف من الضحايا وألحقت أضراراً جسيمة بالشعب السوري والبنية التحتية للبلاد. من غير  الواضحمتى سينتهي هذا الصراع، ولكن ما هو واضح أن السوريين تضرروا لأجيال قادمة. 

في حين أن هذا التقرير لا يهدف إلى تقديم خلفية تاريخية عن التعذيب في سوريا، إلا أنه من الجدير بالذكر أن التعذيب في البلاد كان يُمارس من قبل الانتفاضة. هناك عدد كبير من الأدلة التي توضح بالتفصيل أساليب التعذيب والفظائع الناتجة عن التعذيب على مدى عقود قبل عام 2011. وعلى الرغم من أن التعذيب أقل حدة من ذلك الذي تمت ممارسته في المقرات التابعة للأمن، إلا أنه يُستخدم أيضاً كوسيلة في نظام العدالة الجنائية، ممثلاً في الشرطة ومراكزها في جميع أنحاء البلاد.أحياناً كان يتم تصوير السلوك العنيف للشرطة على أنه مضحك وفكاهي. إن السوريين على دراية ببرنامج “حكم العدالة” الذي يتابعه العديد من الأفراد، وهو برنامج إذاعي يُبث منذ عام 1977 على إذاعة دمشق يظهر الضابط جميل، وهو ضابط عنيف غالباً ما يتم استدعاؤه من قبل رؤسائه لانتزاع اعترافات من المشتبه بهم العنيدين. كان اسمه كافياً لترهيب المشتبه بهم ودفعهم للإذعان لرواية ضباط التحقيق. هنا توجد مفارقة وظاهرة. الظاهرة هي أن السوريين وجدوا الضابط جميل شخصية فكاهية، كان يضرب بها المثل. والمفارقة هي أن هذا البرنامح قام بكتابته محام بارز (ثم ابنه فيما بعد، وهو أيضاً محام)، حيث أنهم يدركون عدم قانونية الأساليب التي يستخدمها الضابط جميل ورؤساؤه. 

نتج عن تجربة التعذيب في حد ذاتها وأساليبه وتبعاته الجسدية والنفسية والعاطفية مجموعة واسعة من الدراسات ذات الصلة. لا يهدف هذا التقرير إلى إعادة صياغة هذه الأعمال والأوراق القيمة. وإنما يهدف إلى استكشاف ما وراء تجربة التعذيب نفسها، للوصول إلى تأثيره، وكيف يمكن أن يعقد حياة ضحاياه. يدمر التعذيب حياة الأشخاص وتظهر آثاره طويلة وقصيرة المدى جسدياً ونفسياً. لا تعيق هذه الآثار من إعادة تأهيل الناجين من التعذيب في سوريا فحسب، بل تعيق أيضاً فرصهم الاجتماعية والاقتصادية من خلال عوامل رسمية وغير رسمية. تظهر العوامل الرسمية في نقص و/أو عجز الخدمات والمرافق الطبية والاجتماعية التي لها دور حيوي في إعادة تأهيل ضحايا التعذيب. ويزداد الأمر تعقيداً بسبب الافتقار إلى الآليات القانونية التي قد تحمي وتعوض و/أو تستعيد الوضع القانوني والأهلية للناجين من التعذيب. من حيث العوامل غير الرسمية، فإن وصمة العار التي تحيط بتجربة الناجين من التعذيب ورد فعل المجتمع تجاه معاناتهم يتسبب في عوائق اجتماعية واقتصادية تعزلهم وتدفعهم بعيداً عن مجتمعهم ودوائرهم. 

في حين أن هناك أدلة توضح بالتفصيل تأثير التعذيب على الحراك الاجتماعي والاقتصادي للناجين من التعذيب، فإن هذا التقرير يبرهن على أن هذا النقص في الحراك هو نتيجة للوضع القانوني لضحايا التعذيب بعد إطلاق سراحهم. كما يوضح التقرير كيف أن سوريا لا تنتهك القانون الدولي والقانون العرفي الدولي اللذان يحظران التعذيب ويدعوان إلى إعادة تأهيل الناجين فحسب، بل أنها تخرق أيضاً قوانينها وأحكامها المحلية ما يعرقل إعادة دمج الناجين من التعذيب اجتماعياً وطبياً وصحياً في البلاد. إن طبيعة الصراع في سوريا تحتم منع التعذيب بموجب اتفاقية جنيف. فالتعذيب محظور بموجب هذه الاتفاقيات طبقاً للمادة 50 من الاتفاقية الأولى، والمادة 51 من الاتفاقية الثانية، والمادة 130 من الاتفاقية الثالثة، والمادة 147 من الاتفاقية الرابعة. بالإضافة إلى ذلك، فإن حظر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية معترف به كقاعدة عرفية في دراسة للجنة الدولية “القانون العرفي (القاعدة 90)” والمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة.

يبرهن هذا التقرير أن سوريا تخالف الاتفاقيات الدولية التالية بعرقلة إعادة تأهيل الناجين من التعذيب: 

1-     اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (تم التصديق عليها عام 2004)

2-     اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (تم التصديق عليها عام 2009) مع البروتوكول الاختياري.

3-     العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (تم التصديق عليه عام 1969).

4-     اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (تم التصديق عليها في عام 2003 مع بعض التحفظات).

5-     الاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (تم التصديق عليها عام 1969).

6-     اتفاقية حقوق الطفل (تم التصديق عليها عام 1993).

كما يبرهن التقرير أيضاً أن الأحكام والقوانين السورية ذات الصلة إما يتم تجاهلها أو انتهاكها أو التلاعب بها في بعض الحالات إمعاناً في العقاب وتسبيباً للمزيد من الألم للناجين من التعذيب. هذا لا يعرقل إعادة تأهيلهم الطبي والنفسي والاجتماعي والاقتصادي فحسب، بل يؤسس أيضاً لما يمكن أن نطلق عليه منهج موسع ومتفاقم للعقاب. وقد ظهر في سياق البحث دور منظمات المجتمع المدني في مساعدة ودعم إعادة دمج ضحايا التعذيب. يتناول التقرير هذا الدور من النواحي القانونية والمؤسسية والفنية. ويختتم التقرير بتقديم توصيات للمضي قدماً وكيفية مساندة ضحايا التعذيب من وجهة نظرهم.

تمت كتابة هذا التقرير البحثي من قبل المركز السوري للإعلام وحرية التعبير بالتعاون مع مركز الخليج لحقوق الإنسان من خلال مشروع ممول من الاتحاد الأوروبي لمعالجة التعذيب والمساءلة في منطقة الخليج العربي ومناطق النزاعات المجاورة لها.

المنهجية

شارك في هذا البحث 15 شخصاً من ضحايا التعذيب وستة خبراء من خلال مقابلات شبه منظمة من قبل باحثين مدربين يعملون بالمركز السوري للإعلام وحرية التعبير. بينما قدمت روايات الناجين نظرة ثاقبة حول كيفية تأثير تجربة التعذيب التي تعرضوا لها على إمكاناتهم الاجتماعية والاقتصادية، وأضاف الخبراء الاجتماعيون والصحّيون والقانونيون لهذه الروايات من خلال تسليط الضوء على كيف يمكن للعوامل الاجتماعية والتدابير القانونية في سوريا أن تعرقل إعادة التأهيل الاجتماعي والاقتصادي للناجين من التعذيب. بالإضافة إلى ذلك، راجع محررو التقرير البيانات والتقارير السابقة التي تم جمعها أو مشاركتها مع المركز السوري للإعلام وحرية التعبير. قرر المركز السوري للإعلام وحرية التعبير في هذا البحث عدم تسمية أو تحديد الجناة الذين ذكرهم المشاركون، فهم يجب أن يخضعوا للإجراءات القانونية الواجبة ومعايير المحاكمة العادلة التي هي غير ممكنة في الوقت الحالي.

التزمت عملية البحث بالمبادئ التوجيهية الأخلاقية التي حددها الميثاق الأخلاقي للمركز السوري للإعلام وحرية التعبير والتي تحكم مشاريعها البحثية. تم تصميم البحث بشكل يراعي تنوع المشاركين من حيث العمر والجنس والموقع. تمت مناقشة إجراءات الإقرار بالموافقة والاتفاق عليها مسبقاً من قبل فريق المشروع والباحث الرئيسي. تم تقديم ورقة معلومات لكل مشارك قبل كل مقابلة. تضمنت الورقة تفاصيل البحث وأهدافه وكيف ستثري مساهمة المشارك مشروع البحث وتنهض به وطبيعة الأسئلة التي سيتم طرحها. وقد مكّن ذلك المشاركين من تحديد ما إذا كانوا يشعرون أنه باستطاعتهم التعامل مع طبيعة البحث. كما تم التوقيع على استمارات الموافقة قبل إجراء أي مقابلة.

إن المشاركين في هذا البحث هم إما في المنفى كلاجئين أو طالبي لجوء أو ناجين من التعذيب. أثار هذا العديد من القضايا الأخلاقية التي تم أخذها في الاعتبار. تم اتخاذ التدابير اللازمة لتجنب ما قد يثير ضغوط عاطفية أثناء المقابلات وخلق توازن في السلطات بين المشاركين والباحثين.

تم تخزين البيانات التي تم جمعها وفقاً لقانون حماية البيانات لعام 2018، وتم تخزينها بشكل آمن بما يتماشى مع سياسة المركز السوري للإعلام وحرية التعبير وتدابير الخصوصية والسرية ذات الصلة. تم تحليل النتائج بما يتماشى مع العناصر المطلوبة للجرائم الدولية في القانون الدولي العرفي، حيث يمكن أن ترقى الآثار الاجتماعية والاقتصادية والقانونية الناتجة عن التعذيب إلى انتهاك للاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي وقعتها وصدقت عليها الجمهورية العربية السورية. كما تم تحليل النتائج بما يتماشى مع أحكام القانون ذات الصلة والإجراءات التي يتم تنفيذها في نظام العدالة السوري، والتي قد تشكل تأثيراً مباشراً وغير مباشر على إعادة تأهيل الناجين من التعذيب وإعادة إدماجهم في مجتمعهم. 

لتحميل النسخة الكاملة من التقرير أضغط على “للتحميل”.