تأثير انتشار فايروس كورونا (كوفيد-19) على الحراك الشعبي
أدى انتشار فايروس كورونا في العراق إلى اعتكاف عددٍ كبير من المتظاهرين في منازلهم، على الرغم من أن بضع عشرات منهم قرروا البقاء في ساحات الاعتصام من أجل ضمان استمرارية الحركة الشعبية ومواصلة الضغط على السلطات وللتعبير عن تطلعاتهم لمستقبل مزدهر ومشرق لجميع أفراد الشعب، دون استثناء. أن هذا هو التقرير الشهري الرابع لمركز الخليج لحقوق الإنسان لعام 2020 الذي يوثق الإنتهاكات المستمرة في العراق خلال المظاهرات الشعبية.
استمر المحتجون بالرغم من بقاء معظمهم في منازلهم في استخدام الإنترنت كأداةٍ فعالية في رفع شعاراتهم والترويج لأهدافهم الرئيسية وفي مقدمتها قيام السلطات بإصلاحٍ شامل، القضاء على الفساد المستشري، و تشكيل حكومة مستقلة بالكامل تقوم بإجراء انتخابات نزيهة مبكرة بعد إقرار قانون انتخابات عادل ومنصف للجميع.
وساهم المتظاهرون بفعالية في حملات التنظيف والتطهير وتوزيع المواد الغذائية على المناطق المحرومة بعد انتشاء فايروس كورونا وفرض منع التجول.
لقد حقق الحراك الشعبي الكثير من الأهداف، بالرغم من التضحيات الجسيمة وقتل أكثر من 600 متظاهراً حسب إحصائيات المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق والتي تؤكد بعض منظمات المجتمع المدني عدم صحته وان الرقم الحقيقي قد تجاوز 700 قتيلاً في صفوف المتظاهرين.
يمكن القول ان الاحتجاجات نجحت في رسم خارطة سياسية جديدة، وعززت الشعور بالهوية الوطنية وبضمنها على سبيل المثال حملة التشجيع على اقتناء المنتجات المحلية والتي نجحت نجاحاً كبيرا.
في ساحة التحرير(الصورة 1) قلب العاصمة بغداد النابض، أيقونة الحراك الشعبي، وكذلك في ساحة الاعتصام بمدينة الكوت (الصورة 2)، تم الاتفاق على تواجد عددٍ قليل من المعتصمين في كلتا الساحتين مع الإلتزام باقصى درجات الوقاية الصحية للحفاظ على سلامة الجميع.
في مدينة الديوانية (الصورة 3)، شكل شباب ساحة الاعتصام فيها ثلاث مجاميع لتوزيع المواد الغذائية على الأسر الفقيرة وكذلك توعيتها ضد المخاطر التي يمثلها فايروس كورونا للبلاد.
وفي مدينة البصرة (الصورة 4)، قام فريق شباب الوطن بتعقيم ساحة الاعتصام المركزية والخيم الموجودة فيها وكذلك فقد امتد عملهم ليشمل بعض المناطق المجاورة وكذلك المناطق الشعبية وبالتعاون مع مديرية الدفاع المدني.
لقد قرر المتظاهرون في محافظات اخرى مثل محافظة ميسان، العودة إلى منازلهم والبقاء فيها لحين انتهاء الأزمة الحالية تنفيذاً لتوجيهات وزارة الصحة ومن أجل منع انتشار الفايروس.
الهجمات المستمرة على المعتصمين في ساحات الاعتصام
تحاول قوات مكافحة الشغب مدعومة بقوات أمنية اخرى، استغلال أزمة فايروس كورونا وقيام المعتصمين بتقليل أعدادهم طوعياً، من أجل الأنقضاض على ساحات الاعتصام المختلفة وإنهاء الحراك الشعبي بالرغم من سلسلة الإجراءات الفعالة التي اتخذها المعتصمون من أجل الوقاية والمحافظة على سلامة الجميع. ومن جهة أخرى فأن المليشيات المسلحة المتواطئة مع مراكز قوى داخل الأجهز الأمنية قد عملت منذ بدء التظاهرات السلمية من أجل إنهائها بالتهديد والقتل المتعمد وتغييب الصوت المطالب بإنشاء دولة القانون والمواطنة الحقة.
بتاريخ 03 ابريل/نيسان 2020 وبالرغم من تقليل الأعداد المعتصمة في ساحة الحبوبي وتشكيل المتظاهرين 40 فريقاً تطوعياً ضمن حملات إغاثية و وقائية للحد من انتشار فايروس كورونا، قامت قوات مكافحة الشغب بهجوم ٍ على النعتصمين في الساحة استخدمت فيه الرصاص الحي وقنابل الدخان المسيل للدموع وكانت الحصيلة قتل المتظاهر السلمي عبد الله صالح (عبود) (الصورة أعلاه)، وجرح ما لايفل عن 18 متظاهراً بعد تظاهرة احتجاجية حصلت خارج الساحة.
وكان عشرات الأشخاص يستقلون دراجات نارية وعربات صغيرة قد تظاهروا في وقتٍ سابق من مساء اليوم نفسه، معترضين على حظر التجوال المفروض في محافظة ذي قار لوقف انتشار فايروس كورونا بسبب تاثيره على العمال الذين يحصلون على أجور يومية. لقد ساروا في شوارع مدينة الناصرية فبل أن يتوجهوا إلى جسر النصر وسط المدينة لفتحه أمام حركة السير فتصدت لهم القوات الأمنية وبضمنها قوات مكافحة الشغب وحصلت اشتباكات بينهم وفقد أحد افراد قوات الأمن حياته وجرى تعقب المحتجين بعد أنسحابهم إلى ساحة الحبوبي من أجل اعتقالهم. لقد أعلن معتصمو ساحة الحبوبي أن مجموعة المحتجين الذين قاموا بكسر حظر التجوال لا تمثلهم.
وفي بغداد وبتاريخ 26 مارس/آذار 2020، حاولت قوات مكافحة الشغب التقدم من شارع السعدون بإتجاه ساحة التحرير ولكن المعتصمين تصدوا لهم مما أدى إلى إصابة عدداً منهم بجروح طفيفة.
استهداف الصحفيين و وسائل الإعلام
بتاريخ 02 ابريل/نيسان 2020، أصدرت هيئة الإعلام والاتصالات بياناً ورد فيه، “استناداً الى صلاحية الهيئة بموجب الأمر (65) النافذ، وشروط الترخيص الممنوحة لها، ولمخالفة وكالة رويترز للائحة قواعد البث الإعلامي تقرر تعليق رخصة مكتبهم في العراق لمدة ثلاثة اشهر، وتغريمها بمبلغ 25 مليون دينار عراقي، والزام الوكالة تقديم اعتذار رسمي.” وقد جاء قرار تعليق نشاط الوكالة بعد نشرها تقريراً أخبارياً حمل عنوان، “مصادر: العدد الفعلي لإصابات كورونا في العراق يفوق المعلن بآلاف.” لاشك كان بإمكان الجهات المختصة في وزارة الصحة العراقية نفي كل ماجاء في التقرير المذكور بدلاً من اللجوء مرة اخرى إلى هذه الطرق التعسفية و السعي لتكميم وسائل الإعلام.
بتاريخ 11 مارس/آذار 2020، تم الاعتداء على الصحفي عدنان رشيدي من قبل مجموعة تتكون من ثلاثة إلى خمسة أشخاص ملثمين حيث قاموا باقتحام منزله الواقع في مدينة بنجوين الواقعة على بعد 96 كم من مدينة السليمانية قرب الحدود الإيرانية، وتوجيه اللكمات له وضربه بالعضي بعد تقييد يديه رجليه وقد كسروا يده و أحبروه على تقديم مابحوزته من أجهزة إلكترونية خزن عليها بيانات عن زملائه الناشطين في إيران. ولم يعط الرشيدي المعلومات إلا بعد أن أدرك أن المهاجمين كانوا يحتجزون زوجته وابنته. في 17 مارس/آذار 2020، نشرت مديرية شرطة محافظة السليمانية بيانا مقتضباً ذكرت فيه إنها قبضت على شخصين يُشتبه بتورطهما في حادثة الاعتداء دون ذكر تفاصيل اخرى.
أن رشيدي هو صحفي كردي إيراني يعمل في العراق محرراً للموقع الإخباري التابع لجمعية كردستان لحقوق الإنسان التي ترصد إنتهاكات حقوق الإنسان في المناطق الكردية الواقعة في العراق وسوريا وإيران.
اعتقالات وهجمات على نشطاء المجتمع المدني والمتظاهرين السلميين
بتاريخ 29 مارس/آذار 2020 ليلاً، تم اعتقال ناشط المجتمع المدني عبد المسيح روميو جان سركيس تعسفياً دون أمرٍ قضائي من قبل قوات مكافحة الشغب قرب ساحة الخلاني حيث لاتوجد معلومات عن مكان احتجازه لحد الآن. أن سركيس، البالغ من العمر 34 عاماً،هو من سكنة حي الصحة بمنطقة الدورة في العاصمة بغداد و والداه كبيران في العمر ولديه شقيق من ذوى الاحتياجات الخاصة.
بتاريخ 16 مارس/آذار 2020، تم اعتقال ناشط المجتمع المدني وعضو اللجنة التنسيقية لمدينة كربلاء رائد الدعمي (ابو ابراهيم) وذلك من قبل القوات الأمنية. لقد تم إطلاق سراحه في اليوم التالي 17 مارس/آذار 2020.
في تمام الساعة الثانية صباحاً من يوم 12 مارس/آذار 2020، قام شخصان ملثمان يستقلان دراجة نارية بإطلاق سبع رصاصات بإتجاه سيارة مدافع حقوق الإنسان ومنسق اتحاد طلبة محافظة ميسان رضا علي العكيلي والتي كانت مركونة أمام منزله. لحسن الحط فقد دخل منزله قبل سبع دقائق من إطلاق النار.
بتاريخ 11 مارس/آذار 2020، نشر العكيلي على صفحته في الفيسبوك وسماً ورد فيه:
أنا_المغدور _القادم#
وذلك بعد أن أقدمت مجموعة مسلحة مجهولة بتاريخ 10 مارس/آذار 2020 على اغتيال كلاً من مدافع حقوق الإنسان و المخرج والممثل المسرحي والتلفزيوني عبدالقدوس قاسم، و زميله محامي حقوق الإنسان والمحامي لدى محكمة استئناف محافظة ميسان الاتحادية كرار عادل.
وكان العكيلي قد نشر فديو يوثق حادثة الاغتيال وانتشر بشكلٍ واسع.
بتاريخ 17 مارس/آذار2020 أطلق سراح ناشط المجتمع المدني ومبرمج الحاسوب و الخبير في مكافحة الابتزاز الإلكتروني أيضاً أحمد غالب كاظم (أحمد الغالب)، والبالغ من العمر 30 سنة. لقد كان رهن الاعتقال منذ تاريخ 25 ديسمبر/كانون الأول 2019 حيث تم اختطافه في بغداد قرب منزله وذلك على يد مجموعة مجهولة تستقل سيارة دفع رباعي لاتحمل أرقاماً.
لقد ساند الغالب التظاهرات السلمية وقام بدعمها مستخدماً كل خبرته الإلكترونية الواسعة. لقد أكدت صفحته على الفيسبوك تلقيه عدة تهديدات وإضطراره لتغيير محل إقامته عدة مرات وذلك قبيل اختطافه. لقد ظهر في العديد من البرامج التلفزيونية متحدثاً عن كيفية محاربة الابتزاز الإلكتروني وقد حاز على العديد من الشهادات التقنية التقديرية من الجهات المختلفة.
بتاريخ 06 ابريل/نيسان 2020، أطلق سراح ناشط المجتمع المدني علي صباح الموسوي، بعد أن تم اعتقاله في 02 مارس/آذار 2020، أثناء خروجه من ساحة التحرير بإتجاه شارع أبو نؤاس حيث قامت قوة أمنية حكومية بإلقاء القبض عليه. لقد كان محتجزاً في معتقل مطار المثنى الذي يحتجز فيه المئات من المتظاهرين السلميين بعد مشاركتكم في الاحتجاجات الشعبية. لقد شارك الموسوي في احتجاجات ساحة التحرير منذ بدايتها.
بتاريخ 05 أبريل/نيسان 2002 وفي ساعات الصباح الأولى، قامت مجموعة مسلحة من الملثمين بإقتحام دار ناشطة المجتمع المدني البارزة أنوار جاسم مهوّس (أم عباس)، و قاموا بقتلها داخل منزلها الواقع في في شارع الإخلاص بمنطقة المعارض القديمة وسط مدينة الناصرية كما أصيب اثنين من أبنائها بجروح. وقام زملائها من الناشطين ظهر اليوم نفسه بتشييع جثمانها وسط ساحة الحبوبي وخلال شوارع المدينة.
لقد شاركت ام عباس في الاحتجاجات الحالية منذ البداية وكان لها حضور فعال ومتميز في ساحة الحبوبي، مركز االاعتصام في مدينة الناصرية. كانت تقوم بتحضير الخبز بيديها (الصورة على اليمين) وتقديمه للمتظاهرين وكذلك إلقاء الأهازيج الحماسية (الصورة على اليسار).
ان تواطؤ القوات الأمنية واضح في قدرة هذه المجموعة المسلحة في التحرك بحرية بالرغم من فرض منع التجول في المدينة لمنع انتشار فايروس كورونا (كوفيد-19) و وجود القوات الأمنية بكثافة في مختلف شوارع المدينة. لاشك انه جرى استهدافها لدفاعها المستميت عن حقوق الفقراء وشجاعتها و دعوتها للاستمرار في الاحتجاجات دون توقف وتجلى ذلك بقيادتها في 02 أبريل/نيسان 2020 تظاهرة دعت إلى كسر حظر التجوال في الناصرية كيما يستمر الحراك الشعبي.
استهداف الفرق الطبية التطوعية
ضمن مسلسل استهداف الفوق الطبيبة والمسعفين المتكرر وبشكل متعمد ,اثناء تقديمه خدمات الإسعاف للمتظاهرين السلميين، أصيب بتاريخ 09 مارس/آذار 2020، ناشط المجتمع المدني والمسعف المتطوع وعضو جمعية الهلال الأحمر العراقي منذ سنة 2016 حذيفة باهر الدزدار بجروحٍ مختلفة عندما استهدفته قوات مكافحة الشغب بخرطوشة تحوي كرات حديدية صغيرة (الصجم) أطلقت من بندقية صيد وذلك بينما كان يقوم بواجبه قرب ساحة الخلاني مرتدياً الزي الخاص بالهلال الأحمر العراقي. لقد أنقذ حذيفة، اليالغ من العمر 26 سنة، حياة الكثير من المصابيين في صفوف المتظاهرين السلميين وبدأ عمله التطوعي منذ بداية التظاهرات في شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي مع أربعة من زملائه. يرأس الدزدار منظمة بإسم “الملجأ للمساعدات الإنسانية والتمكين“.
الدورة 43 لمجلس حقوق الانسان
شاركت مدافعة حقوق الإنسان البارزة و رئيسة جمعية الأمل العراقية هناء أدور في أعمال الدورة 43 لمجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة بجنيف حيث تحدتث ضمن الجلسة المخصصة حول حرية التعبير والتظاهر والتجمع السلمي، فأشارت فيها إلى ما يتعرض إليه المتظاهرون السلميين والصحفيين من إنتهاكات جسيمة منذ الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2019 واستخدام القوة المميتة ضدهم من قبل القوات الأمنية الحكومية والمجموعات المسلحة مما أدى الى مقتل أكثر من 600 ومايزيد عن 25000 جريحا، غالبيتهم من الشباب. كما طالبت أدور مجلس حقوق الانسان إلى عقد جلسة خاصة بالعراق أثناء الدورة القادمة للمجلس لإدانة الاعتداءات والجرائم ضد المتظاهرين، ودعوة حكومة العراق للعمل الفوري لإيقاف هذه الممارسات، وضمان المساءلة والعدالة، وكذلك حق التعويض للضحايا وعوائلهم.
يدعو مركز الخليج لحقوق الإنسان الحكومة العراقية إلى تحمل المسؤولية الكاملة لحماية جميع المتظاهرين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والعاملين في الفرق الطبية التطوعية، بما في ذلك أثناء تفشي فيروس كورونا. يجب على السلطات تحديد هوية مرتكبي عمليات القتل في أقرب وقت ممكن وتقديمهم إلى المحكمة. يجب على السلطات الوفاء بالتزاماتها الدستورية بعدم انتهاك الحريات العامة، بما في ذلك حرية التجمع السلمي وحرية التعبير وحرية الصحافة، والتي يمكن احترامها مع حماية الصحة العامة.



