تُظهر قصص المدافعين عن حقوق الإنسان في سوريا بعض النتائج المرعبة للصراع في سورية خلال السنوات الخمس الماضية. “لقد أصبح منظر الدم طبيعياً الآن، وبنفس الطريقة التي تغلبنا فيها على مشهد الدم، نحن بحاجة للتغلب على التحديات من أجل البقاء ومساعدة الآخرين للبقاء على قيد الحياة”، قال محمد خضر، وهو صحفي يعمل مع “بالصوت والصورة”. فمع انعدام الأمن، والخوف المستمر، وتطبيع العنف، وتحمل مسؤوليات بث الأمل والعمل من أجل تحقيق العدالة أثناء أكبر أزمة في عصرنا، كل ذلك يجعل حياة المدافعين عن حقوق الإنسان السوريين صعبة للغاية ويعرضهم لمخاطر حتمية كبيرة. إلا أن هذه الظروف لا تردع التزامهم بحماية حقوق الأنسان من جميع أطراف النزاع.
يواجه المحامون الفوضى في تطبيق بعض الإجراءات القضائية غير الموجودة، وكذلك يواجه الصحفيون قيوداً على سرد الحقائق في قطاع الإعلام الفوضوي، وكما يواجه العاملون في المجال الإنساني العديد من الصعوبات التي تتجلى بعدم الوصول إلى المناطق التي هي في أمس الحاجة إليهم. ان كل منطقة في سوريا لها قصتها الخاصة وتصعيدها الخاص للأحداث، وتخضع كل منها كذلك لسيطرة فصيل ما . إن تجارب المدافعين عن حقوق الإنسان تختلف من منطقة إلى أخرى بناء على السياق المحلي، ولكنها تهدف جميعها إلى تقديم الحد الأدنى من الاحترام للمدنيين الذين ليس لديهم رأي في الحرب المفروضة عليهم والذين لم يشاركوا في النزاع، ولكنهم يحاولون البقاء على قيد الحياة والعمل في خضم الصراع. إن هدفهم الجماعي عبارة عن مجموعة من حقوق الإنسان التي اعتمدت دولياً ويجب احترامها وطنياً حتى في أوقات الحرب. وعلى هذا فان المحامين يطالبون بمعاملة عادلة للسجناء أثناء الإحتجاز ويوثقون الانتهاكات لاستخدامها في المحكمة في يوم من الأيام. والصحفيون يقودون ممارسة حرية التعبير ويخبرون العالم بما يجري في سوريا. والعاملون في المجال الإنساني يحملون المعونات والإمدادات عبر نقاط التفتيش والطرق الخطرة للتأكد من أن ابناء وطنهم من السوريين لا يموتون جراء التجويع، ويقومون بإنتشال الناجين من تحت الأنقاض بعد القصف، يعالجون الجرحى والمصابين جسدياً من السكان، ويعملون على تأمين ممرات آمنة لمن هم بحاجة إلى عناية طبية فائقة.
ان الحرب السورية ليست صراعاً داخلياً فحسب، بل تشمل الآن على العديد من الجهات الفاعلة الدولية بإختلاف مصالحها السياسية في المنطقة، مما يزيد من الخطر المحدق بالمدافعين عن حقوق الإنسان في سوريا وخارجها. فقد تلعب كل من روسيا ولبنان وإيران وتركيا وقطر والمملكة العربية السعودية دوراً في ذلك، بالإضافة إلى غيرها من الدول المشاركة في التحالف ضد ما يسمى داعش، كما ان الجغرافيا السياسية الإقليمية تلعب دوراً رئيسياً في الصراع وهنا يجد المدافعون عن حقوق الإنسان أنفسهم طي النسيان مع عدم وجود أي آليات لحمايتهم أو أي أفاق لنهاية هذا الصراع.
بالرغم من بزوغ أمل لنوع من المصالحة في الأمم المتحدة مع بدء محادثات السلام في فبراير/شباط عام 2016، دمرت المزيد من النكسات آفاق قرار الأمم المتحدة 2254 (2015) لتحقيق تسوية دائمة. ان العقبات شديدة وتشتمل على: إستهداف المدافعين عن حقوق الإنسان من قبل جميع الأطراف في هذه الحرب المستمرة، بما فيهم الحكومة السورية والجماعات الإرهابية، بالإضافة إلى غيرهم من أصحاب المصلحة.
تستهدف الأعمال الانتقامية الناشطين الذين يتعاونون مع الآليات الدولية بما فيها منظومة الأمم المتحدة؛ بالإضافة إلى القيود المفروضة بما فيها المضايقة القضائية في المناطق التابعة لسيطرة الحكومة. وفي الوقت الذي يتوجب فيه محاكمة المسؤولين عن ارتكاب جرائم الحرب و الجرائم ضد الإنسانية، لا تزال صفوف المعارضة السورية مقسّمة ولم تتمكن حتى الان من التوحد في شكل جبهة سورية معارضة تجمع كافة أطياف الشعب السوري، ومما يزيد الامر سوءاً انتشار داعش. وعلى الرغم من هذا الوضع ، يستمر المدافعون عن حقوق الإنسان بمواصلة جهودهم لتعزيز حقوق الإنسان.
إدراكاً لأهمية عمل المدافعين عن حقوق الإنسان في المنطقة وتحديداً في سوريا، قام مركز الخليج لحقوق الإنسان منذ عام 2012 يتوثيق عملهم ودعى مراراً جميع المتورطين في الصراع الدائر في سوريا إلى احترامهم وحمايتهم.
ان العديد من المدافعين الذين عمل معهم مركز الخليج لحقوق الإنسان إما هم رهن الاحتجاز، أو اختفوا، أو يحاكمون أمام المحاكم العسكرية ومكافحة الإرهاب. وبالرغم من صعوبة الصورة العامة، إلا أننا شهدنا بعض النجاحات الفردية. وعلى سبيل المثال، في عام 2015 نجحت منظمات حقوق الإنسان بما فيها مركز الخليج لحقوق الإنسان في دعواتهم إلى الدول الأعضاء بمجلس الأمن للأمم المتحدة وأماكن أخرى للمساعدة في الإفراج عن المدافع عن حقوق الإنسان مازن درويش، وزملائه هاني الزيتاني و حسين غرير من المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، على الرغم من أن مصير آخرين مثل باسل خرطبيل يبقى مجهولاً. ويظل بعض المدافعين عن حقوق الإنسان مفقودين ومختفين قسرياً في كل من سجون الحكومة أو رهن الاعتقال من قبل الجماعات المسلحة. ولا تزال المدافعة عن حقوق الإنسان والمحامية رزان زيتونة، رئيسة مركز توثيق الإنتهاكات في سوريا، في عداد المفقودين منذ عام 2003. ولقد تم اختطافها مع كلٍ من المدافعين عن حقوق الإنسان سميرة خليل، ناظم حمادي و وائل حمادة، الذين يعرفون باسم “دوما أربعة” من قبل ميليشيات متطرفة. وينطبق نفس المصير المجهول على المحامي ومدافع حقوق الإنسان خليل معتوق، والذي ذكر معتقلون سابقون بأنهم شاهدوه في مركز إحتجازٍ تابع للحكومة، ومنذ عام 2012 لا يزال محتجزاً في ظروف تصل إلى حد الاختفاء القسري. ولا يزال عبد الهادي الشيخ عوض، مدير المعهد الديمقراطي السوري، والمدافعين عن حقوق الإنسان عبد العزيز الخير، إياس عياش، و ماهر طحان والكثير غيرهم في عداد المفقودين. وفقاً لمجموعة الرقة تذبح بصمت، فقد تم القبض على بعض المدافعين عن حقوق الإنسان من قبل داعش وتعرضوا كذلك للتعذيب وبعضهم ظلّوا في السجن أو قتلوا لكونهم “معارضين للخليفة.”
لقد كانت هذه الحالات وغيرها المحرك الرئيسي وراء إرسال بعثة توثيقية من قبل مركز الخليج لحقوق الإنسان في أواخر عام 2015 من أجل مقابلة المدافعين عن حقوق الإنسان السوريين الذين قدموا قصصهم بالتفصيل ومقترحاتهم لما ينبغي أن يقوم به المجتمع الدولي. ان بعضهم لا يزال يعمل على الرغم من المصاعب، ولكن البعض الآخر على وشك فقدان الأمل، ويحتاجون إلى الدعم والتشجيع. و يبرز هذا التقرير ثلاث مجموعات مختلفة من المدافعين عن حقوق الإنسان، حيث حددها مركز الخليج لحقوق الإنسان باعتبارها الأكثر استهدافا داخل وخارج الحدود السورية: الصحفيون والمحامون والعاملون في المجال الإنساني. ويقدم هذا التقرير لمحة عامة عن وضعهم، ويتضمن مقتطفات من أقوالهم، والتوصيات التي يرغبون بإيصالها من خلال هذا التقرير إلى المجتمع الدولي.
span>لتحميل النسخة الكاملة من التقريرباللغة العربية أضغط أعلاه على: “Download File“. التقرير متوفر أيضاً باللغة الانكليزية.



