سلطنة عمان

قانون الجنسية العُماني الجديد يُقوّض مبادئ العدالة وسيادة القانون

16/11/2025

بتاريخ 02 فبراير/شباط 2025، صادق سلطان عُمان، هيثم بن طارق، على قانون الجنسية العُماني الجديد، مُلغياً بذلك قانون الجنسية القديم الصادر عام 2014. يتضمن القانون الجديد عدة مواد تعسفية تُؤدي إلى حرمان المواطنين والمقيمين والنساء عموماً من التمتع بحقوقهم المدنية والإنسانية.

في 11 فبراير/شباط 2025، نشر مركز الخليج لحقوق الإنسان تحليلاً موجزاً ​​للقانون الجديد، أكّد فيه محامون عُمانيون مخاوفهم المشروعة من استخدامه كسلاح لتقييد الحريات العامة للمواطنين.

تُقدّم هذه الدراسة الجديدة تحليلاً أكثر تفصيلاً للأثر السلبي للقانون نفسه على الحقوق المدنية والإنسانية للمواطنين.

أسند القانون الجديد جميع القرارات المتعلقة باكتساب أو سحب الجنسية العُمانية إلى وزير الداخلية، متجاوزاً أي إشراف قضائي على العملية، مما أضرّ بإمكانية الوصول إلى الإجراءات القانونية الواجبة للطعن في أي قرارات غير عادلة أو ذات دوافع سياسية. إن مما يثير القلق بشكلٍ خاص، احتمال إساءة استخدام هذه السلطة المطلقة وغير المقيدة لوزير الداخلية ضد المدافعين عن حقوق الإنسان وغيرهم من النشطاء، بمن فيهم العمال الوافدون.

تُعدّ عُمان حالياً من أكثر الدول تقييداً للمنظمات غير الحكومية في الوصول إلى المعلومات المتعلقة بوضع المدافعين عن حقوق الإنسان. لا تمتلك الدولة أي سجلات موثوقة أو شفافة بشأن الإجراءات التعسفية ضد المدافعين عن حقوق الإنسان، كما تُقيّد حرية التعبير، وتمنع المراقبة الخارجية للسلطات المختلفة من قبل المنظمات غير الحكومية، ولا يسمح لها بإجراء المقابلات أو العمل الميداني في هذا السياق. إضافةً إلى ذلك، يواجه المدافعون عن حقوق الإنسان تحديات قانونية في التماس العدالة إذا وُجّهت إليهم تهم مفبركة وشاملة، مثل “المساس بالقيم الدينية والنظام العام” أو “المساس بهيبة الدولة”، مما يُعرّضهم للسجن وعقوبات أخرى.

في يوليو/تموز 2025، قدّم مركز الخليج لحقوق الإنسان والمركز العُماني لحقوق الإنسان والديمقراطية تقريراً مشتركاً إلى آلية الاستعراض الدوري الشامل للأمم المتحدة لعُمان. سلّط التقرير الضوء على أخطر المخاوف، بما في ذلك مصادرة الحريات العامة، كحرية التعبير، وحرية تكوين الجمعيات، وحرية التجمع، واستخدام عقوبة الإعدام، واستهداف المدافعين عن حقوق الإنسان ونشطاء المجتمع المدني. سلط التقرير الضوء أيضاً على عدم تنفيذ السلطات العُمانية أياً من التوصيات السابقة. ستخضع عُمان لمراجعة الأمم المتحدة بموجب آلية الاستعراض الدوري الشامل في يناير/كانون الثاني 2026.

أبرز التقرير المشترك خطر استخدام المادة 26 من قانون الجنسية العُماني الجديد، التي تنص على تجريد المواطنين العُمانيين من جنسيتهم في حال قيامهم بأفعال لفظية أو بدنية تُعتبر مسيئةً لسلطنة عُمان أو للسلطان. لم يُعرّف القانون الأفعال التي تُعتبر مسيئة، وترك تفسيرها لوزارة الداخلية دون مراعاة الأصول القانونية.

بالإضافة إلى ذلك، يُجيز القانون إسقاط الجنسية في الحالات التالية:

1. الانضمام إلى جماعة أو حزب أو منظمة تُضرّ بالمصالح الوطنية.

2. الانخراط في أنشطة لصالح دولة أجنبية بما يتعارض مع المصالح الوطنية.

3. العمل في خدمة دولة معادية.

بالتالي، يُشكّل هذا البند أداةً محتملةً تستخدمها السلطات لقمع المعارضين أو أصحاب الآراء الناقدة لرأي الدولة.

أشار التقرير المشترك المقدم من مركز الخليج لحقوق الإنسان والمركز العماني لحقوق الإنسان والديمقراطية إلى أنه حتى يوليو/تموز 2025، لم يكونوا على علم ٍبأي حوادث موثقة تتعلق بالمادة 26 المتعلقة بسحب الجنسية بسبب المعارضة. بالرغم من ذلك، أشارت المنظمتان غير الحكوميتين إلى أن، “هذا البند يُنشئ أداةً يسهل على السلطات استخدامها لقمع المعارضة وإسكات الأفراد الذين يتبنون آراءً مخالفة للحكومة أو ينتقدون أدائها. إن هذا الغموض القانوني يُثير الخوف في نفوس المواطنين، إذ يُخاطرون بفقدان جنسيتهم إذا انتقدوا الملك أو دعوا إلى إصلاحات سياسية قد تُفسرها السلطات على أنها إساءة لجلالة الملك.”

جاء قانون الجنسية الجديد لعام 2025 في وقتٍ تبذل فيه دول خليجية أخرى محاولاتٍ مماثلة لاستخدام القوانين لكبح المعارضة. من الأمثلة الحديثة على ذلك التغييرات التي حاولت السلطات الكويتية إدخالها من أجل مراجعة قانون الجنسية، بينما جرّدت آلاف المواطنين المُجنّسين وأفراد أسرهم من جنسيتهم.

في الوقت الذي كان فيه غالبية من جُرّدوا من جنسيته، زوجاتٍ أجنبياتٍ لمواطنين كويتيين، فقد جُرّد العديد من المعارضين أيضاً من جنسيتهم مع أبنائهم. إن هذا التسليح للنظام القانوني ضد المعارضين، تحت سلطة الدولة المطلقة وغير الخاضعة للرقابة، دون أي سبيل للانتصاف أو رقابة قضائية، يُشكل تهديداً كبيراً للحريات والحقوق.

تغييرات رئيسية في قانون الجنسية الجديد

يُشابه القانون الجديد قانون الجنسية الكويتي الجديد من حيث تقييده اكتساب الجنسية وجعل سحبها متيسراً للسلطات. يستغل القانون الجديد نظرة عنصرية وجنسانية حول من يستحق امتيازات وحقوق الجنسية، ومن يستحقها جزئياً أو لا يستحقها. بالتالي، يُنشئ القانون نظاماً طبقياً واحداً بين من اعتُبروا مواطنين عُمانيين، مُقسّماً إياهم إلى طبقات مختلفة من المواطنين ذوي حقوق وامتيازات مُختلفة.

يُعرّف القانون المواطن العُماني بأنه “أصلي” من جهة الأب، أي من وُلد لأب عُماني داخل عُمان أو خارجها قبل صدور القانون الجديد. كما يُعرّف “العماني الأصلي” بأنه الحفيد المولود داخل عُمان أو خارجها لأب عُماني وجدّ مُتجنس بالجنسية العُمانية، شريطة أن يكون قد بلغ الخمسين من عمره. يُعرّف العُماني الأصلي أيضاً بأنه الشخص عديم الجنسية المولود داخل عُمان أو خارجها لأب عُماني أصلي وأم عُمانية أو أجنبية (المادة 12).

هناك فئة أخرى من العُمانيين وهم من تجنسوا بالجنسية، أو من ولدوا لأم عُمانية من أبٍ مجهول، أو من ولدوا في عُمان من والد مجهول (المادة 15). تختلف هذه الفئة في تعريفها عن تعريف المواطنين العُمانيين الأصليين.

يمنح القانون الحق للأفراد (الرجال على وجه التحديد) الذين فقدوا جنسيتهم العُمانية إذا تخلى والدهم العُماني عنها في استعادة الجنسية العُمانية إذا، أ) كان والده عُمانياً أصلياً، ب) أن يقدم الطلب قبل بلوغه سن الرشد (18 عاماً) بخمس سنوات، ج) إذا استوفى الشروط الواردة في المادة 13 من القانون. تنص المادة 13 على أنه يجوز للعماني الذين تنازل عن جنسيته تقديم طلب لاستعادة جنسيته إذا أ) كانت إقامته في عُمان وقدم طلباً للإقامة فيها، ب) إذا لم يكن قد أُدين بجريمة جنائية أو جرائم تتعلق بالشرف، ج) إذا تخلى عن جنسيات أخرى اكتسبها.

يشترط في الأجنبي (الرجال على وجه التحديد) الذي يتقدم بطلب الحصول على الجنسية العمانية استيفاء سبعة شروط، وهي، 1) الإقامة في عُمان لمدة لا تقل عن 15 عاماً متواصلة، 2) الإلمام باللغة العربية تحدثاً وكتابةً، 3) حسن السيرة والسلوك، 4) عدم إدانته بجريمة أو جريمة مخلة بالشرف حتى لو صدر حكم بإلغاء الحكم، 5) التمتع بصحة جيدة وخلوه من الأمراض المعدية، 6) وجود مصدر دخل يكفيه ونفقة من يعيلهم، 7) التنازل عن جنسيات أخرى يحملها (المادة 17).

إنّ النهج القائم على النوع الاجتماعي في منح الجنسية ليس غريباً، بل هو سائد في جميع دول الخليج العربي، حيث يمنح الرجال العمانيين حقوقاً أعلى في منح جنسياتهم لزوجاتهم أو أبنائهم الأجانب مقارنةً بالنساء العمانيات. يجوز للزوج الأجنبي للعمانية التقدم بطلب الحصول على الجنسية إذا استوفى ثمانية شروط، وهي، 1) أن يكون متزوجاً ومقيماً في عُمان لمدة لا تقل عن عشر سنوات متصلة، 2) أن يكون له ولد من زوجته العُمانية، 3) أن يكون حسن السيرة والسلوك، 4) ألا يكون قد سبق الحكم عليه بعقوبة جنائية أو جريمة مخلة بالشرف حتى ولو صدر حكم بإلغاء الحكم، 5) أن يكون سليماً معافى من الأمراض المعدية، 6) أن يكون لديه مصدر دخل يكفي احتياجاته واحتياجات من يعولهم، 7) أن يتنازل عن جنسياته الأخرى (المادة 18).

من ناحية أخرى، يجوز للزوجة الأجنبية للعماني التقدم بطلب الحصول على الجنسية إذا استوفت ستة شروط، منها مدة إقامة أقل من ثماني سنوات، بالإضافة إلى التنازل عن جنسيتها، وأن يكون لها ولد من زوجها العُماني، وأن لا تكون قد أدينت بعقوبة جنائية أو جريمة مخلة بالشرف ما لم تكن قد بُرِّئت، وأن تجيد اللغة العربية تحدثاً وكتابة. يجوز للزوجة الأجنبية المطلقة أو الأرملة لمواطن عُماني التقدم بطلب للحصول على الجنسية إذا استوفت الشروط السابقة ولم تكن متزوجة من زوج أجنبي.

في حين يُمنح أبناء الرجل العماني من زوجة أجنبية، ذكوراً وإناثاً، الجنسية دون قيد أو شرط عند الولادة، فإن أبناء المرأة العمانية من زوج أجنبي لا يُمنحون ذلك. يجب على ابن المرأة العمانية من زوج أجنبي استيفاء عدة شروط للتقدم بطلب الحصول على الجنسية العمانية.

تشمل هذه الشروط، 1) أن تكون الأم العُمانية مطلقة أو أرملة لمدة خمس سنوات، أو أن تكون مهجورة لمدة لا تقل عن عشر سنوات متواصلة، 2) أن تكون حضانة الطفل للأم العُمانية، 3) أن يكون الطفل قد أقام في عُمان لمدة خمس سنوات متواصلة، 4) أن يكون الطفل حسن السيرة والسلوك، 5) أن لا يكون قد أُدين بجرائم جنائية أو جرائم تتعلق بالشرف ما لم يُبرأ منها، و 6) الحصول على موافقة كتابية من الولي للقاصرين على التخلي عن أي جنسية أخرى (المادة 22).

 يحظر القانون الجديد ازدواجية الجنسية، ويسحب الجنسية من الزوج الأجنبي المتجنس بعد الطلاق أو في حالة طلاق الزوجة. بالمثل، تفقد الزوجة الأجنبية المتجنسة لرجل عُماني جنسيتها العُمانية بعد الطلاق والزواج من أجنبي. إن هذا يؤثر بشكل كبير على حقوق الزوجات الأجنبيات في حضانة ورؤية أطفالهن العُمانيين، ويحد من خياراتهن في الزواج مرة أخرى بعد الطلاق.

من أكثر مواد قانون الجنسية إثارةً للجدل المادتان 26 و27 اللتان تتناولان شروط إسقاط الجنسية عن المواطنين العُمانيين الأصليين أو المتجنسين. تنص المادة 26 على أنه تُسحب الجنسية العُمانية الأصلية في الحالات التالية، 1) إذا ارتكب المواطن إساءة لفظية أو بدنية ضد السلطنة العُمانية أو السلطان نفسه، 2) إذا انضم إلى جماعة أو حزب أو منظمة تعتنق مبادئ أو معتقدات تضر بمصالح البلاد، 3) إذا عمل لدى دولة أجنبية بما يتعارض مع مصالح الدولة، سواءً داخل عُمان أو خارجها، 4) إذا عمل لدى دولة معادية بما يتعارض مع مصالح الدولة. تتناول المادة 27 شروط إسقاط الجنسية عن المواطنين العُمانيين المتجنسين إذا انطبق أيٌّ من شروط المادة 26، أو إذا اكتسبوا الجنسية بطرق غير مشروعة، أو إذا أُدينوا في إحدى جرائم أمن الدولة، أو إذا أُدينوا في أكثر من جريمة أو جرائم تستوجب السجن خلال السنوات الخمس التالية لاكتسابهم الجنسية، أو إذا أقاموا خارج عُمان لأكثر من 24 شهراً خلال السنوات الخمس الأولى لاكتسابهم الجنسية دون مبرر.

ينصّ القانون على عقوبات لمن اكتسبوا الجنسية عن طريق معلومات أو وثائق كاذبة. تُعاقَب هذه المخالفة بالسجن من سنة إلى ثلاث سنوات، وغرامة مالية تتراوح بين 5000 و10000 ريال عُماني.

لا ينصّ القانون على تعريفات لما يُشكّل جرائم ضد الدولة أو السلطان، أو الدول أو الجماعات أو الجمعيات المعادية. بالرغم من ذلك، عوقب العديد من الصحفيين والنقاد والمدونين على الإنترنت في عُمان في السنوات الأخيرة بسبب انتقاداتهم السلمية للسلطات. علاوة على ذلك، يمنح القانون وزارة الداخلية سلطةً مطلقةً وغير محدودة في البتّ في مسألة اكتساب الجنسية أو سحبها، مما لا يترك للمواطنين العُمانيين المتضررين، سواءً كانوا أصليين أو مُجنّسين، أي سبيلٍ للطعن في هذه القرارات.

أن كل هذا أمرٌ بالغ الأهمية، فقد شهدنا تداعياته في الكويت على من جُرّدوا من جنسياتهم، بما في ذلك حرمانهم من فرص العمل والتعليم والرعاية الصحية والحسابات المصرفية وحقوق الملكية أو الأعمال التجارية، ووثائق الهوية أو السفر. إضافةً إلى ذلك، فإنّ عدم امتلاك القضاء سلطةً رقابيةً على هذه الحقوق الأساسية للمواطنين العُمانيين يعني استحالة تعديل هذه القرارات، بل وإمكانية استخدامها لقمع المعارضة وتوفير حصانةٍ كاملةٍ للدولة لاحتكار السياسات وصنع القرار دون تمثيلٍ عام.

التوصيات

يدعو مركز الخليج لحقوق الإنسان، مجدداً، الحكومة العُمانية إلى إعادة صياغة قانون الجنسية العُمانية الجديد فوراً، بنهجٍ حكوميٍّ يحفظ الحقوق المدنية والإنسانية لجميع المواطنين والمقيمين. كما يجب عليها ضمان منح الأفراد المتضررين حقّ الاستئناف أمام المحكمة.

ندعو الحكومة العُمانية إلى احترام حق المواطنين في التعبير عن آرائهم والتظاهر السلمي بحرية دون التعرض لعقوبة إسقاط الجنسية. كما يجب عليها احترام اتفاقيات حقوق الإنسان وتعديل قانون الجنسية الجديد بما يتناسب معها.