بعد مرور خمسة عشر عاماً على “ثورة” ُرفعت فيها شعارات “الحرية والكرامة والعدالة”، تعيش تونس الآن واحدة من أكثر مراحلها الحقوقية حساسية. ما بين نصوص دستورية تؤكد حماية الحقوق والحريات، وممارسات واقعية تتجه نحو التضييق المريب والقمع الصارخ، هناك تساؤل جوهري: هل تشهد تونس تراجعاً ممنهجاً في منظومة حقوق والحريات أم أن التعسف أصبح هو شعار المرحلة الحالية؟
بين النص الدستوري والواقع الشَعْبيّ
من الجدير بالذكر إن الحريات العامة ليست رفاهية فكرية أو شعاراً انتخابياً، بل العمود الفقري لأية ديمقراطية حقيقية. لقد جسّدت تونس مثالاً نادراً في المنطقة في السعي نحو ترسيخ حقوق الإنسان وإقرار الحريات بوضع ضمانات واضحة لحرية التعبير والتجمع وتنظيم الأحزاب والجمعيات، والتي تًتيح للمواطن القدرة على التعبير عن رأيه والانخراط في الحياة العامة، والمشاركة السياسية، لكن التطورات السياسية في السنوات الأخيرة أثارت نقاشاً واسعاً حول مدى احترام هذه الحقوق على أرض الواقع.
لقد تغيّرت خارطة الحقوق والحريات بعد 2011 في تونس حيث أضحت الحريات مكرَّسة دستورياً، خصوصًا فيدستورسنة2014 إلا أن الأمر لم يدم طويلا وذلك بتوفر ظروف استثنائية وأصبح أكثر ضبابية مع دستور سنة 2022، والذي يمكن اعتباره دستوراً كرّس نظاماً سياسياً رئاسياً بامتياز، مانحاً رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة جداً وشاملة.
تُشير تقارير منظماتٍ حقوقية دولية وصحفية مستقلة إلى أن البلاد تمرّ منذ يوم 25 يوليو/تموز 2021، وهو اليوم الذي أعلن فيه الرئيس التونسي قيس سعيّد، عَزْل رئيس الحكومة هشام المشيشي، وتجميد اختصاصات البرلمان، ورفع الحصانة عن النواب، وتقييد عمل المؤسسان الرقابية، وتعليق عمل بعض منظمات حقوق الإسنان المحلية بحجج ٍواهية، بمسار استثنائي انعكس مباشرة على الحقوق المدنية والسياسية، وعلى استقلال القضاء وحرية التعبير، في ظل خطاب رسمي يبرّر هذه الإجراءات بضرورات “الأمن القومي الوطني،” و”محاربة الارهاب والفساد.”
كذلك وثقت المنظمات الحقوقية المحلية والدولية مؤشرات التراجع في سنة 2024، والتي تضمنت: ملاحقات قانونية، توقيفات احتياطية، تمديد حالات استثناء، وتقييداتٍ على حريتي الصحافة والتجمع. إن هذه الممارسات لا تُظهِر فقط تناقضاً مع النصوص الدستورية بل تخلق حالة من عدم اليقين تُضعف ثقة المواطنين في المؤسسات، وتعيق ممارسة الحقوق السياسية والمدنية.
الإطار الدستوري والقانوني للحريات في تونس
إن المسافة بين النص والواقع ظلت مرآة للتوتر السياسي والقانوني في تونس. منذ سنة 2021 دخلت البلاد مرحلة جديدة من تركيز السلطة، ثم صدر دستور سنة 2022 عبر استفتاءٍ أثار جدلاً واسعاً حول توسيع صلاحيات الرئاسة وطبيعة الضمانات الدستورية. لقد أحدث هذا التحول تبايناً واضحاً بين الشكل المؤسساتي للحقوق والآليات العملية الضامنة لحمايتها.
ينص الدستور التونسي رسمياً على حماية مجموعة من الحريات الأساسية، لكن هذه الحقوق لا تقتصر على النصوص الدستورية فقط، بل تمتد أيضاً إلى التزامات تونس الدولية، مثل العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذي يؤكد، وتحديداً في المادة 19، على حماية حرية التعبير باعتبارها حقاً إنسانياً أساسياً. كل هذا تم تجاهله من قبل السلطات التي أمعنت في فرض القيود المتزايدة على حرية التعبير في تونس.
بالرغم من الأصوات المناهضة لعددٍ من القوانين التنفيذية ذات الطبيعة القمعية، والتي ظهرت بشكل مراسيم وقوانين في حالات استثنائية، إلا أنه تم إقرارها ومن أبرزها ما أطلق عليه “المرسوم القمعي 54” والذي قُدِّم تحت ذريعةمكافحة الجريمة الإلكترونية ، لكنه استُخدم لاحقاً لملاحقة ناشطي حقوق الإنسان والصحفيين والمعارضين السياسيين.
لقد مثلت محاكمة نحو 40 من مدافعي حقوق الإنسان والصحفيين والمعارضين السياسيين البارزين بتهمة التآمر على أمن الدولةضربة قاصمة للحريات العامة في البلاد. لقد كانت بحق محاكمة سياسية، وهذايسلط الضوء على خطر القوانين ذات النصوص الفضفاضة والقابلة للتأويل بسهولة، والتي تترك السلطة التقديرية الواسعة للقاضي لإصدار الأحكام الجائرة. إن هذا سيؤثر سلباً على ضمان حماية حرية التعبير كحق ٍ دستوري، وكذلك يمهد الطريق نحو التحول إلى الحكم الاستبدادي الذي يربط بين تغيّرات طبيعة عمل مؤسسات الدولة من جهة، والتراجع في الحريات السياسية وفقدان العدالة من جهة أخرى، مما يخلق مناخا ً ينمو فيه الخوف من السلطات والتي ستقوم حينها بمضاعفة الضغط على المعارضة والمجتمع المدني.
حرية التعبير تحت الضغط والملاحقات القضائية
تُعدّ حرية التعبير من أبرز المكاسب التي حققها التونسيون بعد 2011، غير أن هذه الحرية أصبحت اليوم محاصَرة بأدواتٍ قانونية وأمنية متعدّدة. شهدت السنوات الأخيرة ملاحقات قضائية ضد صحفيين ومدونين ومحامين بسبب آرائهم أو منشوراتهم.
لقد تمّ توظيف المرسوم 54 لسنة 2022 المتعلّق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة الاتصال لتجريم التعبير النقدي، وهو ما اعتبرته منظمات حقوقية تشريعاً فضفاضاً يهدّد حرية الرأي. كما أُحيل بعض المدنيين على المحاكم العسكرية، في تعارض واضح مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة.
إن هذه الخطوات أثارت انتقادات محلية ودولية، إذ يرى البعض أنها قيدت دور المجتمع المدني والسلطة القضائية، مما أثر على الفضاء المدني المفتوح الذي كانت تونس تسعى إليه منذ الثورة.
بالرغم من النص الدستوري، تواجه حرية التعبير تحديات عملية بسبب قوانين مثل المرسوم 54 الذييُستخدم في كثيرٍ من الأحيان لملاحقة الصحفيين ونشطاء الإنترنت، وأدّت إلى توقيفهم ومحاكمتهم تعسفياً، مما خلق “مناخ خوف” بين العاملين في المحيط الإعلامي عموماً.
العمل الصحفي بين التهديد والتدخلات الإدارية
أظهرت تقارير من منظمات حقوقية دولية أن العمل الصحفي في تونس أصبح أكثر احتواءً علىالتهديدات القانونيةوالتدخلات الإدارية، مما يحدّ من قدرة الصحفيين على أداء دورهم بحرية كاملة وهو ما يتضح جلياً في تقارير وحدة الرصد في مركز السلامة المهنية، وعلى وجه الخصوص التقرير السنوي التاسع حول سلامة الصحفيين والذي يغطي الفترة من نوفمبر/تشرين الثاني 2024 ولغاية أكتوبر/تشرين الأول 2025.
أسماء بعض المحتجزين مؤخراً
أدناه بعض أسماء الذين احتُجزوا أو وُجهت لهم تهم في سنتي 2025 و2026 بسبب منشورات أو تدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي تنتقد الرئيس قيس سعيّد أو الحكومة التونسية:
| الاسم | سبب الاعتقال/المنشور | الوضع القانوني |
| أحمد سيداني | نشر منشور يسخر من الرئيس قيس سعيّد على الفيسبوك. | حُكم عليه بالسجن 8 أشهر بتهمة “إهانة الرئيس عبر شبكات الاتصال”. |
| صابر علي | نشر تدوينة ينتقد فيها الرئيس واصفاً إياه بالفاشل. | تم اعتقاله ووجهت له تهمة الانتماء إلى “تنظيم إرهابي” والتحقيق معه. |
| صابر شوشان | نشر منشورات على الفيسبوك رأى القضاء أنها “تطاول على الرئيس” و “تهدد أمن الدولة.” | حُكم عليه بالإعدام وكان حكماً مثيراً للجدل (لم يُنفّذ). |
رشاد طمبورة | فنان شاب وعضو الألتراس الذي قادته جدارية إلى السجن، وقد قضى سنتين خلف القضبان بتهمة انتقاد سياسات الرئيس بشأن المهاجرين على وسائل التواصل الاجتماعي. | أُودع السجن بسبب تهمتيْ “إهانة الرئيس” و”نشر أخبار كاذبة”. |
لقد وُجهت لهم تهمٌ تضمنت “ارتكاب فعل موحش ضد رئيس الجمهورية”، و”الاعتداء المقصود منه تبديل هيئة الدولة”، و”نشر أخبار زائفة بحق موظف عمومي”. أن كثيراً من هذه القضايا تمت بناءً على تهم مرتبطة بقانون جرائم المعلومات والاتصال (المرسوم 54 سالف الذكر)، الذي انتقد صياغته الحقوقيون لكونه كأداة لتجريم حرية التعبير السلمي، وخصوصاً الآراء المعارضة للحكومة وتوجهاتها.
في الوقت الذي تصرّح فيه الحكومة التونسية في كل مرة بأنها تهدف إلى مكافحة الأخبار الكاذبة أو حماية الأمن القومي، لكنها تستغل النصوص الفضفاضة لهذا المرسوم لقمع مختلف المواطنين المعروفين بتأثيرهم في المجتمع وكذلك من غير المعروفين، وهذا يثير قلقاً واسعاً لدى حركة حقوق الإنسان في تونس.
أسماء محتجزين سياسيين آخرين
أدناه أسماء لبعض المحتجزين السياسيين الذين اعتقلوا في سنة 2025 وسنة 2026، بما يرتبط بقضية “التآمر على أمن الدولة”:
| الاسم | الوضع القانوني | المهنة |
جوهر بن مبارك | اعتقل في 24 فبراير/شباط 2023. صدر عليه الحكم الابتدائي بالسجن لمدة 18 سنة، والذي أصبح 20 سنة في مرحلة الاستئناف. لقد أدين بتهمتي “التآمر على أمن الدولة” و “محاولة تغيير نظام الحكم” . | أستاذ جامعي وناشط سياسي معارض. |
شيماء عيسى | اعتقلت بتاريخ 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 على خلفية قضية “التآمر على أمن الدولة “. صدر عليه الحكم الابتدائي بالسجن لمدة 18 سنة، والذي أصبح 20 سنة في مرحلة الاستئناف. | ناشطة حقوقية وسياسية. |
عصام الشابي | اعتقل بتاريخ 22 فبراير/شباط 2023 على خلفية قضية “التآمر على أمن الدولة “. صدر عليه الحكم الابتدائي بالسجن لمدة 18 سنة، والذي أصبح 20 سنة في مرحلة الاستئناف. | سياسي تونسي وعضو المجلس الوطني التأسيسي عن الحزب الجمهوري. |
غازي الشواشي | اعتقل بتاريخ 24 فبراير/شباط 2023 ضمن قضية “التآمر على أمن الدولة “. تم أدانته بتهم شملت “الاشتباه في انتمائه إلى تنظيم إرهابي” و “التآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي” و “التحريض على قلب نظام الحكم”. صدر عليه الحكم الابتدائي بالسجن لمدة 18 سنة، والذي أصبح 20 سنة في مرحلة الاستئناف. | سياسي ومحام وقيادي في حزب التيار الديمقراطي، وترافع بصفته محامياً ضمن فريق الدفاع عن الموقوفين في قضية التآمر. |
| رضابلحاج | اعتقل بتاريخ 24 فبراير/شباط 2023 ضمن قضية “التآمر على أمن الدولة “. صدر عليه الحكم الابتدائي بالسجن لمدة 18 سنة، والذي أصبح 20 سنة في مرحلة الاستئناف. | محام ومعارض سياسي وقد شغل منصب وزير سنة 2011. |
| عبد الحميد الجلاصي | اعتقل بتاريخ 11 فبراير/شباط 2023 ضمن قضية “التآمر على أمن الدولة “. صدر عليه الحكم الابتدائي بالسجن لمدة 13 سنة.الى 10 سنوات في الطور الاستئنافي. | قيادي سابق في حركة النهضة وناشط سياسي. |
كمال اللطيف | اعتقل بتاريخ 11 فبراير/شباط 2023 ضمن قضية “التآمر على أمن الدولة “. صدر ضده الحكم الابتدائي بالسجن لمدة 66 سنة وهو أثقل الأحكام الصادرة، والذي أصبح 45 سنة في مرحلة الاستئناف. | رجل أعمال مؤثر في المجال السياسي. |
| الصحبي عتيق | اعتقل بتاريخ 06 مايو/أيار 2023. بتاريخ 19 يونيو/حزيران 2025، أصدرت المحكمة الابتدائية في اريانة ضده حكماً بالسجن لمدة 15 سنة مع عقوبة مالية في قضية “غسيل أموال” بعد وشاية من سجين سابق تمّت إدانته بسرقة منزل في 2016، وهو حكم اقرته محكمة الاستئناف لاحقاً. كذلك وضمن قضية “التآمر على أمن الدولة “، صدر ضده الحكم الابتدائي بالسجن لمدة 13 سنة والذي أصبح 10 سنوات في مرحلة الاستئناف. | قيادي سابق في حركة النهضة ونائب برلماني سابق. |
السيد فرجاني | اعتقل في 27 فبراير/شباط 2023، فيما يرتبط بقضية “أنستالينغو” الواقعة في بالقلعة الكبرى من ولاية سوسة، والمتخصصة في إنتاج المحتوى الرقمي والاتصال الحديث، حيث تم الحكم عليه بالسجن لمدة 13 سنة وغرامة مالية قدرها 50 الف دينار، ومنعه من تولي المناصب لمدة عشر سنوات. لقد تم تخفيض الحكم في 13 يناير/كانون الثاني 2026 إلى 10 سنوات عند الاستئناف. كذلك وضمن قضية “التآمر على أمن الدولة “، صدر ضده الحكم الابتدائي بالسجن لمدة 13 سنة والذي أصبح 10 سنوات في مرحلة الاستئناف. | قيادي في حركة النهضة ونائب سابق في البرلمان. |
| نور الدين البحيري | في 24 فبراير/شباط 2026، أصدرت المحكمة الابتدائية حكمها ضده بالسجن لمدة 4 سنوات في القضية المرتبطة باعتقال الجيلاني الدبوسي، النائب السابق الذي توفي بعد تداعيات صحية تعرض لها في السجن. كانت محكمة الاستئناف في العاصمة قد أيدت حكماً ابتدائياً صدر في تشرين الأول/أكتوبر204، بسجنه لمدة 10 سنوات، وذلك على خلفية تدوينة منسوبة له على موقع فيسبوك، دعا فيها إلى التظاهر. يضاف إلى ذلك صدور حكم ثالث يقضي بسجنه 43 عاماً، في قضية “التآمر على أمن الدولة” حيث وُجهت ضده تهم من بينها “تكوين مجموعة إرهابية”، و”ارتكاب أمر موحش في حق رئيس الدولة”، والذي أصبح بعد الاستئناف 20 سنة. | وزير عدل سابق وقيادي في حركة النهضة. |
القضاء بين التخوين والتوظيف السياسي

يُشكّل القضاء حجر الزاوية في حماية الحقوق والحريات. بالرغم م ذلك شهدت السلطة القضائية تحولات جذرية أثارت مخاوف واسعة النطاق. إن من بين هذه التحولات حلّ المجلس الأعلى للقضاء واستبداله بهيئة مؤقتة، الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً حول استقلالية القضاء. علاوة على ذلك، تمّ عزل عدد من القضاة بمراسيم تنفيذية دون مراعاة ضمانات المحاكمة العادلة والإجراءات القانونية. دفعت هذه التطورات منظمات المجتمع المدني إلى التحذير من تسييس العدالة وتحويلها إلى أداة للقمع السياسي، لا سيما بعد موجة المحاكمات التي شُنّت ضد شخصيات سياسية معارضة بتهم خطيرة مثل “التآمر ضد أمن الدولة”. لقد أدى ذلك إلى التشكيك في استقلال القضاء ونزاهته، ودعوات للحكومة إلى التراجع عن جميع السياسات التي تقوّض استقلال القضاء وضمان محاكمات عادلة للجميع.
لقد عرفت تونس في السنوات الأخيرة، وكما أوضحته تقارير مركز الخليج لحقوق الإنسان المتتالية عن تونس، اعتقالات تعسفية بحق مدافعي حقوق الإنسان والمعارضين السياسيين والبرلمانيين، الذين كانوا يُتهمون غالباً بتهم “التآمر على أمن الدولة” أو “تحريض المواطنين” و “الدعوة إلى التظاهر” وغيرها من التهم المفبركة. كذلك حدثت اعتداءات على سجناء الرأي في مراكز الاحتجاز والسجون مما زعزع ثقة المواطنين وبضمنهم نشطاء المجتمع المدني بالسلطات الأمنية والسلطات القضائية، كان ذلك كله محل نقاش واسع بين الحقوقيين والمدافعين عن الحريات العامة.
إن القضايا الثلاث الموثقة في أدناه والتي أصدر فيها القضاء أحكاماً بالسجن على عضو مجلس نواب وقاضي معزول وخبير أمني واستراتيجي سابق تؤكد أن القضاء يتم استخدامه لمصادرة حرية التعبير وكذلك كأداة استعراضية وأمنية بيد السلطة خاصة بعد تعيين مجلس قضاء موالٍ للرئاسة.
عضو مجلس النواب أحمد السعيداني
بتاريخ 19 فبراير/شباط 2026، أصدرت المحكمة الابتدائية في تونس حكمها ضد عضو مجلس النواب أحمد السعيداني بالسجن لمدة 8 أشهر، بعد ادانته بتهمة “الإساءة الة الغير” عبر الشبكة العمومية للاتصالات بعد نشره لمنشورٍ في الفيسبوك يسخر فيه من رئيس الجمهورية قيس سعيّد، بموجب الفصل 86 من قانون الاتصالات التي تعاقب من يتسبب في “الإساءة أو الإزعاج” عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
أن المشرع كان يهدف من صياغة هذا الفصل، وضع أساسٍ لمكافحة الإزعاج الهاتفي والرسائل المجهولة، لكنه الآن يُستخدم من قبل السلطات، كما هو واضح وبتأويلٍ واسع، لتجريم التعبير الرقمي الذي يكون بصورة منشورات وتعليقات وتسجيلات على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو خرق صارخ لمبادئ القانون الجنائي الذي يمنع التأويل بهذه الصورة التي تؤدي إلى انتهاك الحقوق الدستورية للمواطنين.
القاضي هشام بن خالد
بتاريخ 02 مارس/آذار 2026، حكمت المحكمة الابتدائية بتونس بسجن القاضي المعزول هشام بن خالد لمدة سنتين، وذلك على خلفية ثلاث تدوينات منسوبة إليه تم نشرها على الفيسبوك ، بواقع 8 أشهر سجن عن كل تدوينة. لم يحضر القاضي بن خالد لأنه يعتبرها محاكمة “غير شرعية”.
يعتبر بن خالد من القضاة البارزين الذين تم عزلهم ضمن مجموعة 57 قاضياً في حزيران/يونيو 2022، بتهم ٍ مزعومة تشمل “الفساد، والتستر على فاسدين، وتعطيل تتبع ذوي شبهة إرهابية”.
سبق له أن انتقد السطات عبر الفيسبوك وفي ظهوره الإعلامي، وعبر عن تضامنه مع سجناء الراي.
الخبير الأمني الاستراتيجي نور الدين النيفر
بتاريخ 03 مارس/آذار 2026، أصدرت المحكمة الابتدائية في تونس حكمها ضدالخبير الأمني الاستراتيجي السابقنور الدين النيفر بالسجن لمدة 12 سنة وذلك بعد ادانته بتهمة حيازة مواد متفجرة.
تعود فصول القضية إلى أواخر سنة 2023، حين تم اعتقاله بمنزله، بناءً على شكاية من جاره، ليتم لاحقاً توجيه تهمة “حيازة مواد متفجرة” ضده. لقد ظل رهن الاحتجاز لمدة تجاوزت 18 شهراً، دون أن يتم الإفراج عنه بكفالة ولو مؤقتاً، رغم غياب محاكمة فعلية تثبت ضده أية إدانة، بالإضافة على عدم عرض أدلة منطقية أمام الراي العام.
أدرج بعض المراقبين المحليين هذه القضية ضمن القضايا الأمنية الملفقة، التي تستخدمها السلطات لمصادرة الحريات العامة، وتكميم الأفواه واستهداف الشخصيات العامة المستقلة القادرة على التحليل النقدي وانتقاد الحكومة وتسلطها.
اعتقال تعسفي لمجموعة من الناشطين
بتاريخ 07 مارس/آذار 2026، تماعتقال خمسة من النشطاء المشاركين في أسطول الصمود وهم، وائل نوار، وزوجته جواهر شنة، والدكتور محمد أمين بالنور، ونبيل الشنوفي، وسناء مساهلي. يُواجه المعتَقَلون شكوى أثارتها النيابة العمومية، بزعم وجود شبهات حول “تكوين وفاق لغسيل أموال، والتحيل والاستيلاء على أموال متأتية من تبرعات والانتفاع بها لأغراض شخصية.”
في اليوم التالي تم اعتقال الناشط غسان الهنشيري خلال مشاركته في مسيرة تضامنية طالبت بالإفراج عن النشطاء المحتجزين. يَأتي هذا الاعتقال بعد سلسلة من الإجراءات التضييقية طالت أنشطة أسطول الصمود في تونس.

الإفراج عن أحمد صواب وسنية الدهماني
بتاريخ 23 فبراير/شباط 2023، تم أطلاق سراح محامي حقوق الإنسان البارز، أحمد صواب، 69 سنة، وهو قاضي سابق وعضو هيئة الدفاع في قضية “التآمر على أمن الدولة”، بعد أن خفضت محكمة الاستئناف بتونس العاصمة الحكم الصادر ضده إلى السجن 10 أشهر، وهي الفترة التي قضاها في السجن.
في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أصدرت الدائرة الجنائية المختصة في قضايا الإرهاب في المحكمة الابتدائية بتونس حكمها على أحمد صواب بالسجن 5 سنوات ووضعه 3 سنوات تحت المراقبة الإدارية، بعد إدانته بتهمتي “تعريض حياة أشخاص للخطر،” التي حُوكم عليها بأربع سنوات سجن و “التهديد بجريمة إرهابية بما يوجب عقاباً جنائيا” التي نال عنها سنة واحدة.
بتاريخ 21 أبريل/نيسان 2025، تم اعتقاله تعسفياً بعد إدلائه بتصريحٍ يوم 19 أبريل/نيسان 2025 أمام مقر دار المحامي بتونس انتقد فيه التجاوزات المرتبطة بقضية “التآمر على أمن الدولة”، ثم أُحيل للتحقيق لدى المكتب القضائي لمكافحة الإرهاب بناءً على تأويل تصريحاته المنشورة في مقطع فيديو. لقد تدهورت حالته الصحية داخل السجن.
لم يخرج بعد من دائرة الخطر فقد قررت محكمة الاستئناف ضمن حكمها في الإفراج عنه، الحكم عليه بالسجن لمدة سنتين مع وقف التنفيذ عن تهمة “تعريض حياة أشخاص للخطر،” مع تحذيره من العودة لتصريحات مماثلة ضمن المدة القانونية.
كذلك وبتاريخ 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2025،أطلق سراح الصحفية والإعلامية سنية الدهماني، 60 سنة، بعد أن أمضت أكثر من 18 شهراً في السجن، بعد قرار أفراج مشروط عنها صدر عن وزارة العدل.
في 30 يونيو/حزيران 2025، أصدرت المحكمة الابتدائية بتونس حكماً ضدها بالسجن لمدة سنتين، بعد إدانتها في قضية ترتبط بتصريحٍ إعلامي انتقدت فيه الممارسات العنصرية ضد المهاجرين الأفارقة. إن الدهماني معروفة بانتقاداتها لسياسات رئيس البلاد الحالي.
واجهت الدهماني مضايقات قضائية مستمرة منذ اعتقالها التعسفي في 11 مايو/أيار 2024، عندما اقتحم أفراد ملثمون من القوات الأمنية، يرتدون ملابس مدنية، مقر نقابة المحامين في تونس. جاء اعتقالها بعد إدلائها بتصريحاتٍ خلال ظهور تلفزيوني، شككت فيها من موقف الحكومة تجاه المهاجرين في تونس.
تم رفع خمسة قضايا منفصلة ضدها، وفق الفصل (24) من المرسوم (54) فيما يتعلق بما تمت تسميته “الأخبار الزائفة”.
لمزيدٍ من المعلومات اضغط هنا.
الخاتمة
أن سلسلة الاعتقالات التعسفية التي لازالت مستمرة إضافة إلى المحاكمات والتي قمنا بتوثيقها، هي محاكماتٍ سياسية تحركها الرئاسة التونسية التي تستخدم القضاء كأداة لإسكات جميع منتقديها من مدافعي حقوق الإنسان والناشطين الأخرين على الإنترنت وخارجه.
إن هذا أشاع شيء من الخوف العام لدى المواطنين الذين أصبحوا يمارسون الرقابة الذاتية على أنفسهم، وليس لديهم القدرة على التعبير بحرية عن آرائهم حول الشؤون العامة في البلاد. كذلك ساهم التراجع الكبير بمشاركة معظم منظمات المجتمع المدني في الحياة العامة وخاصة فيما يتعلق بمواجهة الانتهاكات الجسيمة المرتكبة، وإحجام بعض الصحفيين عن تناول موضوعات حساسة، وفقدان الثقة في آليات المحاسبة القانونية لمواجهة الجناة وانصاف الضحايا من المواطنين، إلى تسجيل تراجع كبير للحريات العامة في البلاد.
لا شك أن أبرز الأمثلة التي تؤكد هذا التراجع هي الاعتقالات المستمرة التي شملت مختلف الناشطين، وكذلك إطالة فترة الاحتجاز التحفظي بعد أن أصبحت الاعتقالات التعسفية سياسة ممنهجة تتعبها السلطات، ومعاناة أسر سجناء الراي في صعوبة تحقيق العدالة في المحاكمات الصورية التي تجري لأبنائها.
من جهة أخرى شهدت السجون التونسية في السنتين الأخيرتين اكتظاظاً غير مسبوقٍ وبنسبة 200% في بعض السجون، وارتفع عدد المساجين بأكثر من 10 آلاف في السنتين الماضيتين.
التوصيات
يدعو مركز الخليج لحقوق الانسان الحكومة التونسية إلى:
1. الإلغاء الفوري للأحكام المشددة الصادرة بحق جميع المتهمين في قضية التآمر ضد الدولة وأطلاق سراحهم دون قيدٍ أو شرط؛
2. الغاء أو مراجعة القوانين التي تحدّ من حرية التعبير، والقيام بمراجعة تشريعية فورية لمواد المرسوم القانون 54 وغيرها من النصوص الفضفاضة، وإلغاء المضايقات القضائية لجميع المواطنين بسبب تعبيرهم السلمي والمتحضر عن آرائهم؛
3. تعزيز استقلالية القضاء وإيجاد ضمانات قانونية إجرائية تمنع الاحتجاز التعسفي وإساءة استعمال السلطة؛
4. العمل على إرساء مبادئ المساواة أمام القانون والفصل بين السلطات؛
5. تطبيق المعايير الدولية الخاصة بمفهوم المحاكمة العادلة والإجراءات القانونية؛
6. الامتناع عن تقييد عمل منظمات المجتمع المدني بحجج قانونية وإدارية، والذي يُعدّ انتهاكاً لحرية تكوين الجمعيات والمشاركة المدنية الفعالة؛
7. دعم إنشاء مؤسسات رقابية مستقلة ووجود مجتمع مدني قوي يراقب ويبلّغ عن الانتهاكات، وتفعيل آليات المساءلة والشفافية؛
8. ضمان وفي جميع الظروف قدرة المدافعين عن حقوق الإنسان في تونس على القيام بعملهم المشروع في مجال حقوق الإنسان دون خوف من الانتقام وبلا قيود تذكر وبما في ذلك المضايقة القضائية.




